عثمان بن جني ( ابن جني )
231
الخصائص
باب في الدور ، والوقوف منه على أول رتبة هذا موضع كان أبو حنيفة - رحمه اللّه - يراه ويأخذ به . وذلك أن تؤدّى الصنعة إلى حكم ما ، مثله مما يقتضى التغيير ؛ فإن أنت غيرت صرت أيضا إلى مراجعة مثل ما منه هربت . فإذا حصلت على هذا وجب أن تقيم على أوّل رتبة ، ولا تتكلّف عناء ولا مشقّة . وأنشدنا أبو علىّ - رحمه اللّه - غير دفعة بيتا مبنى معناه على هذا ، وهو : رأى الأمر يفضى إلى آخر * فصيّر أخره أوّلا وذلك كأن تبنى من قويت مثل رسالة فتقول على التذكير : قواءة ، وعلى التأنيث : قواوة ، ثم تكسّرها على حدّ قول الشاعر : موالى حلف لا موالى قرابة * ولكن قطينا يحلبون الأتاويا " 1 " - جمع إتاوة - ، فيلزمك أن تقول حينئذ : قواو ، فتجمع بين واوين مكتنفتى ألف التكسير ، ولا حاجز بين الأخيرة منهما وبين الطّرف . ووجه ذلك أن الذي قال ( الأتاويا ) إنما أراد جمع إتاوة ، وكان قياسه أن يقول : أتاوى ؛ كقوله في علاوة ، وهراوة : علاوى ، وهراوى ؛ غير أنّ هذا الشاعر سلك طريقا أخرى غير هذه . وذلك أنه لما كسّر إتاوة حدث في مثال التكسير همزة بعد ألفه بدلا من ألف فعالة ؛ كهمزة رسائل وكنائن ، فصار التقدير به إلى أتاء ، ثم تبدل من كسرة الهمزة فتحة ؛ لأنها عارضة في الجمع ، واللام معتلّة كباب مطايا ، وعطايا ، فتصير حينئذ إلى أتاءى ، ثم تبدل من الياء ألفا فتصير إلى أتاء ، ثم تبدل من الهمزة واوا ؛ لظهورها لاما في الواحد ؛ فتقول : أتاوى كعلاوى . وكذا تقول العرب في تكسير إتاوة : أتاوى . غير أنّ هذا الشاعر لو فعل ذلك لأفسد قافيته ،
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو للجعدى في ديوانه ص 178 ، ولسان العرب ( أتى ) ، ( ولى ) ، وتاج العروس ( أتى ) ، ( حلب ) ، ( ولى ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( حلب ) ، وديوان الأدب 3 / 224 . وفيه يسألون الأتاويا " بدل " يحلبون الأتاويا " أي هم خدم يسألون الخراج ، وهو الإتاوة . وانظر اللسان ( أتى ) .